الرئيسية / المقالات / مَنْ كان مع الله فليس في غربة!

مَنْ كان مع الله فليس في غربة!

يوسف الصديق إبن النبي يعقوب، هذا الطفل المحبوب، تلقَّى درس الإيمان بالله مِن أبيه العظيم، ونشأ طفلاً مؤمناً في حِجر يعقوب، ولقد نقم إخوته الكِبار منه وألقوه في غياهب الجب، وكانت النتيجة أنْ بيع الطفل في مِصر بثمنٍ بخسٍ، فماذا يُتوقَّع مِن طفل لا يتجاوز عمره التِّسع سنوات، في مِثل هذه الظروف المتسارعة الحَرِجة المؤلمة؟! أليس الجواب هو الجَزع والاضطراب؟!
قوَّة الإيمان، كانت قد منحت النبي يوسف (عليه السلام) حينذاك مَقدرة عجيبة، وإطمئناناً فائقاً، ففي الحديث: لمَّا أُخرج يوسف مِن الجُبِّ واُشتري، قال لهم قائل: إستوصوا بهذا الغريب خيراً فقال يوسف: مَنْ كان مع الله فليس في غُربة، ولذلك مضى قدماً لنشر رسالة التوحيد، فأطاعه نفر قليل وخذله جمع غفير، متحدياً كل الطواغيت والصعاب والشدائد، فمن رحم المعاناة يولد الإنتصار.
بدل أن يلعن ظلام البعث الذي حكم العراق عقوداً سيئة الصيت، وألقى بالعراقيين الأبرياء في غياهب السجون، على يد النظام الصدامي المقبور، إنبرى رجل الدين والعقيدة السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره الشريف) لنصرة المظلومين، سائراً على نهج جده الإمام الحسن (عليه السلام) في معارضة الحاكم الجائر، وعدم مبايعته وإعداد الأمة للنصر القادم، ممهداً لثورة حسينية عظيمة أرعبت أزلام البعث البائد، فالعراق على يده لن يكون أمة قابعة وراء القضبان.
قوة الإيمان عند شهيد المحراب (رضوانه تعالى عليه) تكمن في أنه كان مستعداً، لأن يضحي بالغالي والنفيس لأجل حياة الآخرين، طالباً إصلاح الأمة وإعداد الجماعة الصالحة، فهو قائد محراب واجه السيف بالدم، بظروف تعسفية قاهرة وجائرة، أشعرتنا عزيمته المنقطعة النظير بالكرامة والعدالة فتأهبنا للجهاد حيثما حللنا، لأنه بات شمعة للصمود ورفض الضيم، فأوقد فينا جذوة والصمود حتى النصر، صورة ثورة لرجل قادم من الجنوب، ولا يمكن إختزاله في سطور وكلمات.
عندما عاد السيد محمد باقر الحكيم بعد سقوط الطاغية في (10/5/2003)، إستشعر الأعداء خطورته خاصة، وأنه رجع للعراق في خضم وضع سياسي مضطرب، وكان العراقيين متلهفين لعودته، لأنه يمثل رمز المعارضة العراقية في الجنوب الثائر، والمدافع عن العراقيين سنة وشيعة، ثم أرعبهم عندما أوضح للعالم، وحينما سمعوا عن رؤيته حول أوضاع البلد، عقب لقائه بالملايين الزاحفة لإستقباله في البصرة الفيحاء.
أوضح شهيد المحراب رؤيته في عملية التغيير بعد سقوط الصنم، التي أريد لها أن تكون من الداخل العراقي، وعلى يد العراقيين أنفسهم لإسقاط النظام المقبور، ثم وقع العراق تحت تأثير التدخلات الأجنبية، مما أدى الى عدم تسليم السلطة للعراقيين مباشرة بعد عام (9/4/2003) وشرعنه إحتلاله، مما أدخل العراق في دهليز مظلم، دفعنا ضريبته الباهظة من دمائنا ودموعنا، وما زلنا لعدم إستقرار العملية السياسية بكامل صلاحياتها.
إعلموا أيها الحكيميون أن وراء كل محنة فداء منحة عطاء، لذلك راقب شهيد المحراب السماء، وهو في الصحن العلوي الشريف ظهيرة الجمعة (الأول من رجب 1424)، فوهب نفسه للرفيق الأعلى، فإستحق عشقاً عرضه السموات والأرض مردداً: مَنْ كان مع الله فليس في غربة، ورغم أن الحزن يغشانا، والوجع يفجعنا، والضيق يعترينا، والألم يكتنفنا، إلا أننا نستذكر أبا صادق، والحكمة تشع من محرابه الحكيم، صوب تحقيق حلمه لبناء الدولة العصرية العادلة.

شاهد أيضاً

#باقر_الصدر منهجنا للإصلاح

عمار العامري يعد السيد محمد باقر الصدر؛ أسطورة العراق في القرن العشرين, كان مفكراً وثائراً, …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *